عندما كنت في مقتبل العمر لم أكن مهتم بأمور الحب والغرام، حتى عندما اقتربت من بلوغ سن الرشد، لم تكن حكايات الحب تدور في رأسي. فقد كانت حياتي مختلفة، خليط بين الرياضة والثقافة، فقد كنت مولع بالقراءة والسياسة والتاريخ.
كنت أعشق العلوم الحديثة وقصص الخيال العلمي، كنت أحلم ببلوغ مراتب عليا، والذهاب للفضاء، حتى أنني حلمت ذات مرة أنني بنيت بيتا في الفضاء.
لكن، وذات مرة كنت أتمشى بدراجتي الهوائية، مررت بشخصين من المكفوفين وكانا يتهامسان ويتحدثان بهدوء غريب.. استوقفني هذا الموقف الرومنسي وبدأت أفكر هل فعلا الحب جميل لهذه الدرجة؟
أكملت طريقي وسألت ذلك الشخص لاحقا، وبدأ يخبرني عن الحب، والرومنسية، كلماته بدت غريبة ذلك اليوم، وبدأت أستمع له باهتمام كبير، وسألته عن شعوره عندما يحب، فأجابني أنه شعور لا يمكن وصفه.
بدأ اهتمامي يزيد بالحب، بدأت أتخيل الحب وأحلم بتلك التي تزين حياتي، وبدأت أقلب رأسي يمينا وشمالا بحثا عنها… لكنني تذكرت قول صديقي: الحب قد يأتي وحده ودون أن تشعر.
الحب …. دون أن أشعر….
لم أستوعب جيدا ما يقوله العشاق، لكنني قررت أن أكون عاشقا بأي طريقة، والحب الذي يأتي وحده سنأتي به بطريقة جديدة هذه المرة.
انشغل تفكيري بشكل كبير، تركت كل شيء وبدأت أبحث عن الحب في قلوب الفتيات… أخيرا، وجدتها.. نعم إنها هي ولا أحد غيرها، بالتأكيد كنت أحبها منذ مدة لكنني لم أكن أعرف.
نعم لقد استقر تفكيري على أحدى الفتيات، وكانت فتاة رائعة وخلوقة. وبدأت أحدث نفسي بأنني أحبها.
كنت أجلس طوال الليل في التخيل ورسم المستقبل، كان كل شيء جميل في ذلك الوقت، الساعات تمضي دون أن أشعر بها، كنت أتخيل اسمها في كل الأغنيات، وكل الأشعار.
قررت أن أبعث لها هدية دون أن تشعر، المهم أن يكون شيءا ما بين يديها. وفعلا قمت بإعطاء شخصا ما تلك الهدية ووصلت إليها.
كانت هذه الفتاة تأتي إلى بيتنا، وكنت أحاول سماع صوتها بأي طريقة، وأسمع حديثها وضحكاتها، وأحاول أن أفعل أي شيء يمكن أن يوضح اهتمامي بها.
كان يوم مجيئها إلى بيتنا يوما مختلفا بالنسبة لي، كنت أحاول عدم الذهاب إلى أي مكان، فقط لأبقى بالقرب.
بعد مدة، بدأت أكتب الخواطر في حبها، كانت خواطر عاشق متيم، كنت أنتقي أجمل الكلمات لأكتبها، كنت أدون إسمها في بعضها.
زاد بي الأمر وزادت تخيلاتي الغريبة عنها، وبدأت أفكر كثيرا في الحب، وفي هذه الفتاة التي لا توجد من تشبهها في العالم.
قررت التحدث مع أحدهن فقد تستطيع مساعدتي للوصول إليها، وفعلا حكيت لها كل شيء وكيف أنني لا أستطيع العيش بدون اسمها، وخيالها، وصوتها.
فقالت لي وبدون مقدمات: أنصحك بالابتعاد عن هذه الفتاة… لم أصدق نفسي في هذه اللحظة، ظننت أنني في حلم، أو أنني لم أسمع جيدا، أحسست بشعور غريب جدا، هنا سألتها وبسرعة لماذا؟؟!!!
قالت لأنها عاشقة لشخص آخر، وأنت بعيد تماما عن تفكيرها…. هنا، تركتها وذهبت دون أن أقول أي شيء.
رجعت إلى البيت وأحسست بأن حياتي توقفت، لم يعد لوجودي أي داعي في هذه الدنيا، فقد ذهب الحب، وضاعت التخيلات، واختفى الاسم الجميل الذي كنت أسمعه في أغاني العشاق.
عدت إلى أوراقي وبدأت أقرأ الخواطر التي كتبتها، وكنت أتساءل: لمن كتبت هذه الخواطر؟
بعد مدة، بدأت أتعافا من صدمة الحب القاسية ومن الفتاة المجهولة التي عشقتها، وبدأت أفكر وأُراجع نفسي وأتساءل: أي حب ذلك الذي يأتي بالخيال والهدايا المجهولة؟
هل يعقل أن يكون الحب بهذه الصورة، هل يمكن أن يحب شخص فتاة لا تعرف بحبه لها، وفي النهاية ينتهي ذلك الحب دون أن تعلم أيضا؟
نعم، انتهت تلك التجربة، لكنها كانت تجربة رائعة، فقد تعلمت منها الكثير، والتي تركت أثرا في حياتي مستقبلا.
تعلمت بأن الحب ليس للتجربة والتقليد، وبأن الحب يكون بين حبيبين، لا بين حبيب مسكين وخيال يأتي تارة ويختفي تارة أخرى.
تعلمت أن الحب ليس للتسلية وقضاء أوقات الفراغ، تعلمت أن الحب أكبر من مهاتراتنا نحن الصغار.
تعلمت أنه ليس بالضرورة أن تفعل ما يفعله الآخرين، فقط لتكون مثلهم.
في النهاية، أدركت أن ذلك لم يكن حبا، وإنما هو طيش المراهقين، وعبث المتخيلين أمثالي، فقد كنت متأثرا بالخيال العلمي وأردت تطبيقه على الحب على ما يبدو.

2 Replies to “حب للتجربة، وهدية مجهولة المصدر، لما كل هذا؟”

  1. الحب ليس قرارا اختياريا لكنه قَدَر، قد تحب فتاة لا تحبك، إنه شيء لا يخضع للمنطق، ومتى ما خضع له لم يعد حبا.
    يقول الشاعر:
    وما الحب من حُسْنٍ ولا سماحةٍ ** ولكنه شيءٌ به النفسُ تَكْلَفُ.
    وعموما فإن معظم ما يتوهمه الشباب والفتيات أو يعيشونه من مشاعر شيء لا علاقة له بالحب، قد يكون استلطافا أو إعجابا وقد يكون نبيل الدافع أو غير نبيل، لكنه في كل الحالات ليس حبا على الإطلاق، ومن عاش الحب الحقيقي أو عايش عاشقا حقيقيا يدرك الفرق بين الأمرين.

Comments are closed.