منذ أن بدأت التقنية تغزو حياتنا في نهايات القرن المنصرم حتى أدركنا أن هذا المستجد سيكون جزء لا يتجزء من حياتنا وواقعنا. غير أننا لم نتوقع أن تدخل التقنية إلى حياتنا بهذه السرعة وبتلك الكيفية.
فمع بداية الألفية الجديدة، شهد هذا العالم طفرة كبيرة في هذا المجال، فقد تغيرت حكومات بأكملها، واختفت صحف لتتحول إلى الفضاء الإلكتروني بعد أن كانت تصدر على الورق لقرن من الزمان.
لقد أصبحت التقنية اليوم وخلال فترة قصيرة المحرك الأساسي في هذا العالم، فأصبحت تدار بها الدول، وتعمل بفضل تقنياتها المتطورة آلاف المصانع والقطارات والطائرات والاتصالات وكل ما يلمس حياتنا وواقعنا.
ولم يقتصر تأثير التقنية على الدول والبنى التحتية فحسب، بل طال هذا التأثير وبقوة الأفراد حيث صارت جزء لا يتجزء من حياتهم اليومية.
ولا شك في أن التقنية حولت العالم الواسع إلى قرية صغيرة وأصبح التواصل بين الأفراد أسهل من ذي قبل بمراحل. فقد ولا زمان الرسائل الورقية والبريد والبرق والهاتف كما يطلق عليه من قبل، وأصبحت شبكة الإنترنت بتقنياتها المختلفة توفر تواصلا غير مسبوق بين بني البشر.
وقد نتج عن هذه الشبكة العالمية العديد من التقنيات المتطورة ولعل من أبرزها مواقع التواصل الاجتماعي التي أقبل عليها الناس بشكل غير مسبوق، فقد أصبح أعداد مستخدميها بالملايين وتزداد تطورا يوما بعد يوم.
ليس هذا فقط، بل تكونت مجتمعات كبيرة وشديدة التنوع بفضل هذه المواقع التي وفرت معظم خدماتها مجانا وفي أي مكان وحيثما كنت.
لكن وبالرغم مما قدمته لنا التقنية من سهولة التواصل وغيره مما ذكرته في مقالي هذا ظهرت هناك بعض السلبيات التي لم تكن لتظهر لولى التقدم الهائل في عالم التقنية. فقد غابت تماما خصوصية الأفراد وأصبح كل ما يتعلق بحياتنا ظاهرا للعيان، فأنشطة حياتنا اليومية أصبحت معروفة، وجميع تحركاتنا وأفعالنا أصبحنا نبوح بها لآلاف المتتبعين أو المعجبين، فقد غابت ذكرياتنا الجميلة، لم نعد نملك ما نحكيه للأصدقاء والأحباب، حتى قصص الحب المخفية أصبحت اليوم معروفة لدى الآلاف بعد أن كانت بين حبيبين.
لقد تحولت زياراتنا إلى ما يشبه جهاز كمبيوتر، كل شخص يجلس في أبعد زاوية في المجلس ليقضي وقته مع جهازنه الذكي بدلا من الأحباب والأصدقاء.
حتى الصداقة تغيرت معالمها، فأصبح الشخص يملك آلاف الأصدقاء بعد أن كانوا واحدا أو اثنين في الطفولة، هذه الصداقات التي تتكون بإعجاب أو متابعة وتذهب بمجرد إلغائهما.
في هذا العصر لم يعد لدينا ما نحتفظ به، فجميع بياناتنا الشخصية وصور العائلة والأصدقاء باتت في خوادم بعيدة، قيل لنا إنها محصنة، لكننا لا نعلم ما يخبءه لنا الزمان، وما ستأول إليه هذه البيانات، إما في سوق سوداء أو بيد أحد المخترقين.
حتى أخلاقنا تغيرت، فقد أجبرتنا تغيرات العصر على التخلي عن قيمنا ومبادئنا، وعن خصوصيات مجتمعنا المحافظ بدعوى الانفتاح والعولمة.
لقد ولدت لنا الطفرة التكنلوجية الهائلة جيلا جديدا من الشباب الفاقد لهويته العربية وتعاليم دينه الإسلامي، فقد ظهر من يتعدى على الله والرسول، بدعوى الانفتاح والحرية.
الفتيات أيضا كان لهن نصيب من الحرية المنشودة، فقد أصبحت الواحدة منهن لا تتردد في إرسال بياناتها أو حتى صورتها الشخصية لمن يدعي أنه يحبها والذي سيتحول في النهاية إلى شخص مبتز يهددها بنشر بياناتها إن لم تنفذ له ما يريد.
لا أريد أن أرسم صورة قاتمة عن عالم التقنية، ولكن كانت هذه نظرة لهذا العالم من جوانبه المتعددة، كما أنني أأكد أن لكل قاعدة شواذ وأن هناك من استفاد ويستفيد من التقنية بأفضل شكل مع احتفاظه بالقيم والعادات والمبادئ، بل قام البعض بتطويع هذه التقنيات لخدمة الدين والمجتمع.