أهلا بكم في باريس، بلد الجمال والورد والعطور.

في صباح يوم السابع عشر من مايو، حزمنا أمتعتنا استعدادا لزيارة باريس لعدة أيام، كان كل شيء جاهز، تذاكر القطار قمت بحجزها عبر الإنترنت، وكذلك الفندق أيضا…
تحركنا قبل مدة كافية عبر الميتروا من محطة المطار، وهي القريبة جدا من فندق شيراتون المطار الذي كنا نقيم فيه، إلى محطة هوف بانهوف الرئيسية في فرانكفورت والتي سينطلق منها قطارنا إلى باريس.
بدأنا نبحث ونبحث من أين سيتحرك هذا القطار، لم نجد أي شخص نسأله، كل المسافرين يأخذون أماكنهم في الانتظار.. لكن لله الحمد عثرنا على رحلتنا في أحد اللوحات الإلكترونية، وجلسنا ننتظر، كنت أعتقد بأن شخص سيأتي لفحص جوازاتنا، أمتعتنا أي شيئ… لكن ذلك لم يحدث.
ركبنا القطار الكبير نحن وأمتعتنا وقمنا بوضعها في الرفوف العلوية، كان القطار مزدحم، والأمتعة كثيرة.

تحرك القطار بسرعة كبيرة، استغرقت الرحلة أكثر من 4 ساعات، فقد تحركنا في الساعة الواحدة ظهرا ودقيقتين بتوقيت ألمانيا، وكان وصولنا عند الرابعة والنصف تقريبا.
قبل نزولنا بقرابة الساعة، تعرفنا على شخص من الجزائر، ومعه شخص آخر، كان ذاهب إلى باريس ليسافر إلى الجزائر من هناك، تحدثنا معه وكان يحدثنا عن حبه لباريس، وأنه يتمنى لو يعمل فيها، بالمناسبة هو يعمل في ألمانيا لمدة طويلة…
المهم سألناه عن مكان الفندق الذي قمنا بحجزه، كانت لدي ورقة، وبها عنوان الفندق، وقد قرأت في الأنترنت بأن الفندق قريب من محطة القطارات غاردينور، لكن هو أخبرنا بأنه يجب علينا أن نستقل الميترو وننزل في محطة أسمها ريبيبليك..
بعد وصولنا قال لنا سأذهب معكم حتى تركبون الميترو، والمشكلة كانت معه أمتعة كثيرة جدا، حتى أكثر من قدرته هو على حملها، لا أعرف كيف استطاع إيصالها إلى القطار أصلا ههه.
ساعدناه في حمل بعض الأمتعة، ثم أخذنا تذكرة للميترو، وقال لنا إنزلوا في محطة ريبيبليك.
بعد نزولنا المحطة، كنا في منطقة شديدة الازدحام، الشوارع ممتلأة بالمارة والسيارات… نعم هذه هي باريس.
مشينا بحقائبنا نبحث عن هذا الفندق، لا يبدو له أي أثر بالقرب من المحطة، كلما سألنا شخص قاللنا لا أعرف، ولكن أعتقد أنه بعيد قليلا من هنا.
أخذنا نمشي مسافة، ثم وجدنا شخص عربي، سألناه أين يقع هذا الفندق، أخذ يبحث في هاتفه، وقال لنا يحتاج لكم قرابة ال 20 دقيقة مشي من هنا للوصول إليه.
يا إلاهي، 20 دقيقة ونحن نمشي بأمتعتنا… توكلنا على الله ومشينا مسافة حتى وجدنا الفندق بالصدفة، كان فندق صغير جدا، ومبني على شكل أحد الحصون.
أخيرا وصلنا إلى الغرفة، كنا في غاية التعب بسبب المسافة الطويلة التي مشيناها…
ارتحنا قليلا ثم ذهبنا لتناول الطعام، عند العودة أخذنا نفكر، كيف يمكننا التجول في باريس، لدينا يومين فقط قبل العودة مرة أخرى إلى ألمانيا، ثم إلى أرض الوطن.
سألنا موظف الاستقبال في الفندق عن أسعار سيارات الأجرة، فقال لنا لا أنصحكم بها نهائيا، لأنها غالية جدا، ولا يمكنكم التجول في باريس كلها بسيارات الأجرة، هذا سيكون مكلف جدا.
لكنه نصحنا بالباصات السياحية، وهي عبارة عن باصات كبيرة من طابقين، الجزء العلوي منها مفتوح.
فكرتها أنها تقوم بجولة حول كل باريس، وتتوقف عند محطات محددة بالقرب من المعالم، ويكون هناك باص يمر كل 15 دقيقة على الأكثر، وكل الباصات لنفس الشركة ملونة ب4 ألوان، بحيث كل لون له أماكن معينة يذهب إليها، وتلتقي الباصات في بعض المحطات.
تبدأ حركة الباصات عند الساعة التاسعة صباحا، وتنتهي عند السابعة والنصف مساءا، وتقوم بأخذ تذكرة ليوم أو يومين، والتي تمكنك من ركوب الباصات، والنزول منها طوال ذلك اليوم..
في الصباح الباكر تناولنا الإفطار على عجل، وتحركنا نبحث عن هذا الباص، لم نكن نعرف شكله، ولا المحطة التي سينطلق منها… كان الجو جميل، والصباح رائع في مدينة باريس.
أخذنا نبحث ونمشي في الشارع القريب من الفندق، ووجدنا شخص هولندي مع زوجته، فسألناه أين يمكن العثور على الباص السياحي… قال لنا أنا أبحث عن نفس الباص ههه.
تحدثنا قليلا مع هذا الرجل، ثم شاهدنا الباص يقف بعيدا، فتحركنا بسرعة كبيرة لكي لا يذهب الباص… أخذنا نركض بسرعة.. كان المشهد استثنائيا… استقلينا الباص وبدأ رحلته نحو معالم باريس.
مر الباص على المنطقة التي بها دار الأوبرا وأيضا هناك عدة معالم أخرى، منها قصر نسيت أسمه 😀
ألتقطنا بعض الصور وتحركنا نحو متحف الّوفَر، وحاولنا الدخول لكن كان هناك طابور عظيم جدا، فاكتفينا بالتقاط الصور والمشي حول المكان لكي لا نضيع وقتنا.
ذهبنا إلى معالم كثيرة والتقطنا الصور بجانبها، ثم نزلنا عند شارع الشانزليزيه المعروف، أيضا في نفس المنطقة يوجد قوس النصر..
هناك جلسنا مدة طويلة نلتقط الصور، ثم مشينا في شارع الشانزليزيه الذي يضم الكثير من المحلات، والمقاهي والمطاعم ومحلات الورد الفاخرة، وتوجد به أهم الماركات العالمية… كان مكان جميل رغم ازدحامه.. وكنت أستطيع شم العطور والقهوة عندما نمر بالمحلات… شربنا كوب من القهوة في مكان قريب من الشانزليزيه.. ثم مشينا لنجد مكان أشبه بالحديقة.. هناك كل الأشخاص مسترخين، وسعداء بشروق الشمس في ذلك اليوم الجميل المشمس…
أيضا زرنا برج أيفل المعروف… للأسف لم نستطع الدخول، رغم أنني كنت أحلم بذلك… لكن كان الازدحام شديد للغاية، وهناك طوابير طويلة فقط تنتظر أمام شباك التذاكر… هذا ناهيك عن الطوابير التي تنتظر الصعود أيضا…
جلسنا في المنطقة التي يوجد بها البرج… هناك نوافير رائعة، والمنطقة عموما جميلة جدا…. لقد امتلء هاتفي الآيفون من كثرة الصور التي التقطناها… كنت أنا طبعا مسؤول عن تصوير أخي 😀
تجولنا أيضا في بعض الأماكن الأخرى… كانت رحلة رائعة، لكنها قصيرة، ولم نستطع الذهاب إلى كل مكان.
عند عودتنا للفندق في آخر يوم لنا في باريس، حزمنا أمتعتنا استعدادا للعودة إلى ألمانيا في صباح اليوم التالي.
سألنا موظف الاستقبال عن مكان محطة القطار الشرقية، وهي نفسها التي نزلنا منها عند مجيئنا… قال لنا يمكنكم الذهاب إليها مشيا على الأقدام، فهي لا تبعد أكثر من 10 دقائق… نعم.. كيف 10 دقائق.. ققلنا له لا يمكن ذلك.. نحن عندما جئنا إلى هنا، ركبنا الميتروا، ومشينا مسافة طويلة جدا… قال لنا ما هي المحطة التي ذهبتم إليها بالميترو… قلنا له إنها ريبيبليك..
أصيب الموظف بالصدمة، وقال لماذا ذهبتم إلى ريبيبليك، وهي أبعد من المحطة التي نزلتم فيها أصلا عن الفندق، ولو أنكم نزلتم من القطار ومشيتم، سيكون أفضل…
قلنا له هذا الذي حدث، ومشينا من ريبيبليك إلى الفندق…

إجمالا التجربة مميزة جدا بالنسبة لي… كانت أول مرة أزور بها أوروبا.. لم أكن أعرف الأماكن…. ولا أتحدث الإنجليزية بطلاقة.. بالرغم من ذلك، لم نواجه صعوبات كبيرة في رحلتنا، واستطعنا التأقلم بسرعة ولله الحمد.
لقد لامسنا الفجوة الكبيرة بيننا وبين أوروبا، سواء على المستوى الاقتصادي، أو العمراني وغيره.. حتى على مستوى الخدمات المقدمة للمكفوفين.. لاحظت بأن الأرصفة مهيئة للتحرك بالعصى البيضاء، وكذلك أماكن عبور الشارع، توجد هناك إشارات لعبور المشاة، بها مرشد صوتي، يخبرك متى عليك أن تعبر الشارع… كذلك المطارات، ومحطات الميترو كلها مزودة بخطوط تسهل تحرك المكفوفين…
من أعجب ما رأيته، عندما كنا في طريق عودتنا إلى ألمانيا، دخلت إلى دورة المياه في القطار… كنت أبحث عن الصابون.. وجدت عبارات مكتوبة بطريقة برايل، أظنها بالألمانية، وبها سهم يشير إلى مكان الماء والصابون… تعجبت صراحة من الاهتمام بالتفاصيل الدقيقة لهذا الحد….
أرجو أن أكون قد وفقت لنقل بعض الصورة، لرحلتي إلى أوروبا.. لقد اختصرت الكثير من الأحداث والتفاصيل.. لكنها بالتأكيد ستبقى في الذاكرة.. لتكسبنا مزيد من الخبرة والتجربة.